كيف تغيرت حركة صفقات الشقق والأدوار السكنية في السعودية؟

عند الحديث عن الوحدات السكنية، ينصرف الاهتمام غالبًا إلى الأسعار أو عدد الصفقات خلال فترة قصيرة، لكن متابعة البيانات على مدى عدة سنوات تكشف صورة أكثر دقة.  فحركة صفقات الشقق والأدوار السكنية لم تتطور بالطريقة نفسها، كما أن المدن لم تحافظ جميعها على مواقع متشابهة داخل كل نوع من الوحدات. وبحسب البيانات الرسمية للهيئة العامة للعقار من عام 2019 وحتى النصف الأول من عام 2026، يتضح أن الشقق أصبحت سوقًا واسعًا تتقاسم قيادته الرياض وجدة، بينما أصبح نشاط صفقات الأدوار أكثر تمركزًا في الرياض.

في سوق الشقق، ارتفع عدد الصفقات في الرياض من نحو 5.3 آلاف صفقة عام 2019 إلى 20.9 ألف صفقة عام 2025، أي بزيادة تقارب 294%. أما جدة فارتفعت من 7.0 آلاف إلى 22.6 ألف صفقة خلال الفترة نفسها، بزيادة تقارب 223%. ولم يكن النمو مستقيمًا أو محصورًا في مدينة واحدة؛ فقد تصدرت جدة في أعوام 2019 و2020 و2022 و2025، بينما تقدمت الرياض في 2021 و2023 و2024. ويشير تبادل الصدارة بين المدينتين إلى وجود سوقين كبيرين للشقق، لا إلى هيمنة مدينة واحدة على النشاط طوال الفترة.

لكن عدد الصفقات لا يقدم الصورة كاملة. ففي عام 2025، سجلت جدة 22.6 ألف صفقة شقق بقيمة إجمالية بلغت نحو 13.9 مليار ريال، بينما سجلت الرياض عددًا أقل بلغ 20.9 ألف صفقة، لكن بقيمة أعلى وصلت إلى 18.3 مليار ريال. وبحساب تقريبي، بلغ متوسط قيمة صفقة الشقة في الرياض نحو 876 ألف ريال، مقابل نحو 615 ألف ريال في جدة. وهذا يعني أن جدة قادت السوق من حيث عدد الصفقات، بينما سجلت الرياض قيمة تداول أعلى ومتوسط صفقة أعلى بنحو 42%.

وتشير بيانات النصف الأول من عام 2026 إلى استمرار هذا الاختلاف حتى الآن. ففي النصف الأول من عام 2026، سجلت جدة نحو 8.8 آلاف صفقة شقق، مقابل 6.4 آلاف صفقة في الرياض، أي أن عدد الصفقات في جدة كان أعلى بنحو 38%. ومع ذلك، تقاربت قيمة التداول في المدينتين؛ إذ بلغت نحو 5.4 مليارات ريال في جدة و5.5 مليارات ريال في الرياض. وتوضح هذه النتيجة مرة أخرى أن قراءة عدد الصفقات وحده قد تقود إلى انطباع ناقص، لأن المدينة الأعلى في عدد الصفقات ليست بالضرورة الأعلى في قيمة التداول.

كما تغيرت خريطة المدن الأكثر نشاطًا في سوق الشقق خلال الفترة من عام 2019 حتى النصف الأول من عام 2026. ففي عام 2019 ظهرت بريدة والمدينة المنورة ضمن المراكز الأربعة الأولى، ثم انضمت إليهما الدمام في عام 2020، قبل أن تنضم إليها مكة المكرمة ابتداءً من عام 2021 تقريبًا. ومنذ عام 2024، أصبحت الرياض وجدة والدمام ومكة المكرمة تمثل المدن الأربع الأكثر نشاطًا في صفقات الشقق. ويشير هذا التطور إلى إعادة تشكل خريطة النشاط بين المدن، إلا أن البيانات المعروضة لا تكفي وحدها لتفسير أسبابه أو ربطه بعامل محدد.

أما في سوق الأدوار، فالصورة مختلفة بدرجة كبيرة. فقد سجلت الرياض 234 صفقة فقط عام 2019، ثم ارتفع العدد إلى نحو 6.9 آلاف صفقة في 2025، أي إن النشاط تضاعف قرابة 29 مرة. وفي الفترة نفسها ارتفعت قيمة الصفقات من نحو 152.3 مليون ريال إلى قرابة 6.7 مليارات ريال، أي بنحو 44 مرة. وهذه القفزة لا تعكس مجرد نمو محدود، بل تحول الأدوار في الرياض من نشاط صغير نسبيًا إلى سوق رئيسية خلال سنوات قليلة.

واللافت أن الفجوة بين الرياض وبقية المدن اتسعت بصورة شديدة منذ 2023. ففي عام 2025 سجلت الرياض نحو 6.9 آلاف صفقة أدوار، بينما سجلت بريدة، صاحبة المركز الثاني، 369 صفقة فقط، وخميس مشيط 265 صفقة. أي أن عدد صفقات الرياض بلغ نحو 19 ضعف عدد الصفقات في المدينة التي تليها. واستمر هذا التركّز خلال النصف الأول من 2026، حين سجلت الرياض نحو 3.3 آلاف صفقة، بينما بقيت خميس مشيط وبريدة قرب مائتي صفقة لكل منهما خلال الفترة نفسها.

وتكشف المقارنة داخل الرياض نفسها اختلافًا إضافيًا بين المنتجين. ففي 2025 بلغ عدد صفقات الشقق نحو 20.9 ألف صفقة بقيمة 18.3 مليار ريال، مقابل 6.9 آلاف صفقة أدوار بقيمة 6.7 مليارات ريال. وبذلك كان عدد صفقات الشقق نحو ثلاثة أضعاف صفقات الأدوار، في حين كان متوسط صفقة الدور، البالغ قرابة 971 ألف ريال، أعلى من متوسط صفقة الشقة البالغ نحو 876 ألف ريال. وهذا لا يعني أن أحد المنتجين أفضل من الآخر، وإنما يوضح اختلاف حجم التداول ومتوسط قيمة الصفقة بينهما.

ويظهر من السلسلة الزمنية أن سوق الشقق اتخذ طابعًا متعدد المراكز، تتبادل فيه الرياض وجدة الصدارة، مع حضور مستقر نسبيًا للدمام ومكة. أما سوق الأدوار فأصبح أكثر تمركزًا في الرياض، مع تغير المدن التالية لها بين خميس مشيط وبريدة وأبها وغيرها، وبفجوة واسعة في حجم النشاط. ولذلك فإن وصف الوحدات السكنية باعتبارها سوقًا واحدة يخفي فروقًا كبيرة بين المنتجين وبين المدن.

بالنسبة للمطور العقاري، تقود هذه الأرقام إلى نتيجة عملية واضحة: لا يكفي تحديد المدينة ثم افتراض أن جميع المنتجات ستتحرك فيها بالزخم نفسه. فقد تتصدر مدينة سوق الشقق، بينما يكون نشاط الأدوار فيها مختلفًا تمامًا، وقد تكون المدينة الأعلى في عدد الصفقات أقل في متوسط قيمة الصفقة. لذلك ينبغي أن يبدأ قرار التطوير بقراءة نوع الوحدة، وحجم التداول، وقيمة الصفقات، ثم ربطها بطبيعة الموقع والمعروض الفعلي، بدل الاعتماد على شهرة المدينة أو المؤشرات العامة وحدها.

أما المشتري، فالأرقام تساعده على فهم درجة نشاط كل منتج، لكنها لا تحدد الخيار الأنسب له بمفردها. فكثرة الصفقات قد تدل على وفرة المعروض وسهولة المقارنة، لكنها لا تعني أن المنتج الأكثر تداولًا هو الأفضل لجميع الأسر. ويظل القرار مرتبطًا بالموقع، والمساحة، والتصميم، والميزانية، وجودة المشروع، إلى جانب حركة السوق.

والخلاصة التي تدعمها البيانات هي أن حركة صفقات الشقق والأدوار لم تتطور في مسار واحد. فالشقق أصبحت سوقًا كبيرة تتقاسمها مدن رئيسية متعددة، بينما تركز النمو القوي للأدوار بصورة لافتة في الرياض. ولذلك لم يعد السؤال العقاري الأدق هو: في أي مدينة يوجد نشاط أكبر؟ بل: ما نوع الوحدة الذي يشهد طلبًا حقيقيًا في هذه المدينة، وما قيمة هذا الطلب وطبيعته؟

شركة أجذى

المصادر

  • الهيئة العامة للعقار – منصة المؤشرات العقارية.
  • مؤشرات المدن.
  • بيانات صفقات الشقق والأدوار السكنية (2019 – النصف الأول 2026).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top